الذهبي
408
سير أعلام النبلاء
وفي سنة 46 عاود نور الدين محاصرة دمشق ، وراسلهم نور الدين : إني أوثر إصلاح الرعية وجهاد الفرنج ، فإن أعانني عسكركم على الغزو ، فهو المراد . فنفروا ، وامتنعوا ، وخربت الغوطة ، وعاث العسكر ، وتحركت الفرنج إنجادا لملك دمشق ، فضاقت صدور الأخيار ، وجرح خلق ، ثم تحول نور الدين إلى البقاع لما جاءت جيوش الفرنج نجدة ، فطلبوا من دمشق مال القطيعة المبذولة لهم على ترحيل نور الدين ، ثم عاد نور الدين إلى داريا ، وبرز عسكر البلد ، ووقعت المناوشة ، وتصالحوا ، ثم سار ملك دمشق مجير الدين إلى خدمة نور الدين إلى حلب ، فأكرمه ، وبقي كنائب لنور الدين بدمشق ، وافتتح نور الدين أنطرطوس ( 1 ) وتل باشر وعدة معاقل للفرنج ، ونازلت أربعون ألفا من الفرنج قرطبة ثلاثة أشهر ، حتى كادوا أن يأخذوها ، فكشف عنها جيش عبد المؤمن ، وكانوا اثني عشر ألفا ، وقدم السلطان مسعود بغداد . وفي سنة 47 مات مسعود ، وقام بعده أخوه محمد ، وعظم شأن المقتفي ، وسار إلى واسط ، فمهدها ، وعطف إلى الكوفة ، ثم عاد مؤيدا منصورا ، فعملت له قباب الزينة . وفي سنة 48 أخذت الفرنج عسقلان ، واشتد الغلاء بدمشق ، ومات الفقراء ، فطمع نور الدين في أخذها ، ففي أول سنة تسع قدم شيركوه رسولا ، فنزل في ألف فارس ، فلم يخرجوا لتلقيه ، وقويت الوحشة ، وأقبل نور الدين ، فنزل ببيت الأبار ، وزحف على البلد مرتين ، وأقبل عسكره إلى باب كيسان ، فإذا ليس على السور كبير أحد ، فتقدم راجل ، فرأته يهودية ، فدلت له حبلا ، فصار على السور ، وتبعه جماعة ، فنصبوا
--> ( 1 ) بلد من سواحل بحر الشام . " معجم " ياقوت 1 / 270 .